الخطيب الشربيني
244
مغني المحتاج
بريدة : كان رسول الله ( ص ) إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه - إلى أن قال - : فإذا هم أبوا الاسلام فسلهم الجزية ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم . تنبيه : محل الوجوب قبل الأسر ، فأما الأسير إذا طلب عقد الجزية لا تجب إجابته على الأصح كما اقتضاه كلام الروضة ( إلا ) إذا طلب عقدها شخص يخاف كيده كان يكون الطالب ( جاسوسا نخافه ) فلا نجيبه للضرر الذي يخشى منه ، بل لا نقبل الجزية منه ، والجاسوس صاحب سر الشر ، كما أن الناموس صاحب سر الخير . ثم شرع في الركن الثالث وهو المعقود له . فقال : ( ولا تعقد ) الجزية ( إلا لليهود والنصارى ) من العرب والعجم الذين لم يعلم دخولهم في ذلك الدين بعد نسخه لأهل الكتاب ، وقد قال تعالى : * ( قاتلوا الذين لا يؤمنون ) * إلى أن قال : * ( من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية ) * ( والمجوس ) لأنه ( ص ) أخذها منهم ، وقال : سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولان لهم شبهة كتاب ، والأظهر أنه كان لهم كتاب فرفع ( وأولاد من تهود أو تنصر قبل النسخ ) لدينه ولو بعد التبديل ، وإن لم يجتنبوا المبدل منه تغليبا لحقن الدم ، ولا تحل مناكحتهم ولا ذبيحتهم كما مر ، لأن الأصل في الابضاع والميتات التحريم . تنبيه : المراد بالنسخ نسخ التوراة بالإنجيل في اليهود ، ونسخ الإنجيل في النصارى ببعثته ( ص ) ، ولا تعقد لأولاد من تهود أو تنصر بعد النسخ بشريعة نبينا أو تهود بعد بعثة عيسى كآبائهم لأنهم تمسكوا بدين باطل وسقطت فضيلته . ( أو ) أي وتعقد أيضا لمن لم يعلم حاله كان ( شككنا في وقته ) أي التهود أو التنصر فلم نعرف أدخلوا قبل النسخ أو بعده ؟ تغليبا لحقن الدم كالمجوس . وبذلك حكمت الصحابة في نصارى العرب وهم نهرا وتنوخ وبنو تغلب . تنبيه : فهم من إطلاق المصنف أن يهود خيبر كغيرهم . وانفرد ابن أبي هريرة بإسقاط الجزية عنهم لأن النبي ( ص ) ساقاهم وجعلهم بذلك خولا : أي عبيدا . وسئل ابن سريج عما يدعونه من أن علي بن أبي طالب كتب لهم كتابا بإسقاطها ، فقال : لم ينقل أحد من المسلمين ذلك . وأما الصابئة والسامرة فتعقد لهم الجزية إن لم تكفرهم اليهود والنصارى ولم يخالفوهم في أصول دينهم ، وإلا فلا تعقد لهم ، وكذا تعقد لهم لو أشكل أمرهم . وأما من ليس لهم كتاب ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان والشمس والملائكة ومن في معناهم كمن يقول إن الفلك حي ناطق ، وإن الكواكب السبعة آلهة فلا يقرون بالجزية سواء فيهم العربي والعجمي . وعند أبي حنيفة تؤخذ الجزية من العجم منهم . وعند مالك تؤخذ من جميع المشركين إلا مشركي قريش . ( وكذا ) يقر بالجزية على المذهب ( زاعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داود صلى الله عليهما وسلم ) وكذا صحف شيث وهو ابن آدم لصلبه لأن الله تعالى أنزل عليهم صحفا ، فقال : * ( صحف إبراهيم وموسى ) * وقال : * ( وإنه لفي زبر الأولين ) * وسمى كتابا كما نص عليه الشافعي فاندرجت في قوله تعالى * ( من الذين أوتوا الكتاب ) * وقيل لا تعقد لهم لأنها مواعظ لا أحكام لها ، فليس لها حرمة الأحكام ، ولا تحل مناكحتهم وذبيحتهم على المذهب عملا بالاحتياط في المواضع الثلاثة ( ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني ) تعقد له ( على المذهب ) وإن كان الكتابي أمه تغليبا لحقن الدم ، وتحرم مناكحته وذبيحته احتياطا . والطريق الثاني لا تعقد له كما لا يصح نكاحه . تنبيه : قوله على المذهب راجع إلى هذه المسألة وإلى التي قبلها ، ولو ظفرنا بقوم وادعوا أو بعضهم التمسك تبعا لتمسك آبائهم بكتاب قبل النسخ ، ولو بعد التبديل صدقنا المدعين دون غيرهم وعقد لهم الجزية لأن دينهم لا يعرف إلا من جهتهم ، فإن شهد عدلان بكذبهم فإن كان قد شرط عليهم في العقد قتالهم إن بان كذبهم اغتلناهم ، وكذا إن